مشاكل الطفل العينية قد تشير إلى الورم الأرومي الشبكي!

الورم الأرومي الشبكي هو أحد أنواع السرطانات النادرة التي تصيب العين والذي يتطور عادةً في مرحلة الطفولة المبكرة، إلا أنه من أكثر أنواع الأورام الخبيثة الأولية شيوعًا في تلك المرحلة، وهو من الأمراض القابلة للشفاء عندما يتم تشخيصه بوقت مبكر، إذ تصل نسبة الشفاء إلى 90% في حال تشخيص المرض ومعالجته قبل وصوله إلى العصب البصري.

ما هو الورم الأرومي الشبكي؟

هو سرطان في العين ينشأ على حساب الشبكية التي تُعرف بأنها عبارة عن بطانة حساسة مكونة من نسيج عصبي يستشعر الضوء القادم عبر الجزء الأمامي من العين ليرسل إشارات من خلال العصب البصري إلى الدماغ، حيث تتم ترجمة هذه الإشارات على شكل صور وبالتالي نستطيع الرؤية!

تمثل الأورام الأرومية الشبكية حوالي 3-4% من سرطانات الطفولة، وهي تحدث بشكل دائم تقريبًا قبل العام الثاني من العمر، تكون الإصابة أحادية الجانب (في عين واحدة) في معظم الأحيان إلا أنها قد تحدث في العينين معًا عند حوالي 25% من الأطفال.

لا ينتقل الورم الأرومي الشبكي عادةً إلى خارج العين، لكنّه قد ينتشر في بعض الأحيان إلى الدماغ على طول العصب البصري (العصب المُتجه من العين إلى الدماغ)، كما قد ينتشر في حالات نادرة إلى مواضع أخرى مثل نقي العظام والعظام.

كيف يتطور الورم الأرومي الشبكي؟

تبدأ العين في التطور قبل الولادة، تملك العين في مراحل تطورها المبكرة أرومات شبكية والتي بدورها تتكاثر معطيةً خلايا تملأ الشبكية، ثم تتوقف عن التكاثر في مرحلة معينة لتصبح خلايا شبكية ناضجة.

إلا أنه في حالات نادرة قد يحدث خطأ في العملية السابقة، إذ تستمر بعض أرومات الشبكية في النمو بشكل غير طبيعي بدلًا من النضج مشكلةً بذلك الورم الأرومي الشبكي.

إن سلسلة الأحداث داخل الخلوية المسؤولة عن حدوث الورم الأرومي الشبكي معقدة، إلا أنها تبدأ دائمًا بطفرة في جين RB1، وهو الجين المسؤول في حالته الطبيعية عن منع الخلايا من النمو بشكل زائد وخارج عن السيطرة، وبذلك تكون الطفرة الحاصلة وما ينتج عنها من تغيير في الجين عائقًا يمنعه من العمل كما ينبغي.

ما هي أنواع الورم الأرومي الشبكي؟

اعتمادًا على وقت ومكان حدوث التغيير في جين RB1، يمكن أن يحدث نوعين مختلفين من الورم الأرومي الشبكي هما:

الورم الأرومي الشبكي الخلقي (الوراثي)

على الرغم من تسمية هذا النوع بالورم الأرومي الوراثي إلا أنه لا يشترط وجود قصة إصابة بالورم الأرومي الشبكي في العائلة وقد لا يتم توريث طفرة RB1 من أحد الوالدين، إذ من الممكن أن يحدث التغيّر الجيني أثناء النمو المبكر داخل الرحم، في حين أن جزء صغير فقط من الأطفال يرثونه من أحد الوالدين.

في حال انتقال الورم من الآباء إلى الأبناء فإنه ينتقل عبر نمط الوراثة الجسدية السائدة، ويعني ذلك أن نسخة واحدة فقط من الطفرة الجينية لدى أحد الوالدين كافية لزيادة احتمالية انتقال الورم الأرومي الشبكي إلى الأبناء، فإذا وُجدت طفرة جينية لدى أحد الوالدين، يرث كل طفل ذلك الجين بنسبة 50%، مع الإشارة إلى أن هذه الطفرة تزيد من احتمالية إصابة الطفل بالورم الأرومي الشبكي ولا تعني إصابته الحتمية به.

يلاحظ هذا النوع في ثلث الحالات (أي يلاحظ في 1 من 3 أطفال مصابين بالورم الأرومي الشبكي)، يكون الشذوذ في جين RB1 موجودًا منذ الولادة وفي جميع خلايا الجسم، لذلك عادةً ما تكون الإصابة في هذا النوع بكلا العينين بالإضافة إلى إمكانية وجود عدة أورام داخل العين نسميها “الورم الأرومي الشبكي متعدد البؤر”.

كما أن الأطفال المصابين بهذا النوع من الورم يكونون أكثر عرضةً للإصابة بالسرطان في أجزاء أخرى من الجسم.

الورم الأرومي الشبكي العفوي (غير الوراثي)

يلاحظ هذا النوع في ثلثي الحالات (أي يلاحظ في 2 من كل 3 أطفال مصابين بالورم الأرومي الشبكي)، ويتطور الشذوذ في جين RB1 في خلية واحد فقط لذلك يصيب عين واحدة فقط.

وغالبًا ما يتم التشخيص عندما يكون الطفل أكبر سنًا بقليل مقارنة بالمصابين بالنوع الخلقي من الورم، كما لا يعاني الأطفال المصابون بهذا النوع من نفس المخاطر المتزايدة للإصابة بأمراض السرطانات الأخرى.

ما هي الأعراض والعلامات التي تظهر عند المصابين بالورم الأرومي الشبكي؟

بما أن الورم الأرومي الشبكي غالبًا ما يصيب الرضع والأطفال الصغار، فإن أعراضه ليست شائعة، وتشمل علامات المرض التي من الممكن ملاحظتها:

  • ظهور لون أبيض في وسط دائرة العين (البؤبؤ) عند تسليط الضوء على العين، كما يحدث في حالة التقاط صورة للطفل باستخدام الفلاش والذي يسمى بـ “منعكس عين القط”، وهو العرض الأكثر مشاهدة عند المصابين.
  • حَوَل العينين (أي ظهور العينين وكأنهما تنظران في اتجاهين مختلفين).
  • ضعف البصر.
  • احمرار العين.
  • تورم العين.

ما هي مضاعفات الورم الأرومي الشبكي؟

في حال انتشار الورم إلى الدماغ من الممكن أن يعاني المريض من صداع، نقص شهية وإقياء.

كما تزداد لدى الأطفال المصابين بالنوع الوراثي من الورم الأرومي الشبكي مخاطر الإصابة بأنواع أخرى من السرطان في أي جزء من الجسم خلال السنوات التالية للعلاج، لذلك يخضع الأطفال المصابين بأورام أرومية شبكية لفحوصات دورية للكشف عن أي سرطانات أخرى.

متى يجب طلب المشورة الطبية؟

في حال وجود قصة عائلية عن المرض (إصابة أحد أفراد العائلة بالورم الأرومي الشبكي) يفضل مناقشة الطبيب حول ذلك.

ويجب مراجعة الطبيب على الفور في حال ملاحظة أي تغيرات في عيني الطفل.

كيف يتم تشخيص الورم الأرومي الشبكي؟

بدايةً يقوم الطبيب بطرح مجموعة من الأسئلة على أهل الطفل مثل السؤال عن وجود قصة عائلية مرضية (أي إصابة أحد أفراد العائلة بالورم الأرومي الشبكي)، كما سيسأل عن تاريخ الطفل المرضي (أي إصابته بأي ورم سابق أو قيامه بأي عملية استئصال سابقة).

ثم يقوم الطبيب ببعض الفحوصات منها:

فحص داخل العين

يقوم الطبيب بفحص داخل عين الطفل وهو تحت التخدير بسبب عدم قدرة الأطفال الصغار على الثبات والتعاون مع الطبيب أثناء الفحص الدقيق، ثم يقوم الطبيب بفحص العينين مستخدمًا ضوءًا وعدسة خاصة لمعاينة الشبكية.

فحوص تصويرية

من الممكن أن تساعد بعض الفحوص التصويرية الطبيب في تشخيص الورم الأرومي الشبكي وتحديد مدى انتشاره ومدى تأثيره على البنى المحيطة بالعين.

من هذه الفحوص التصويرية:

  • الموجات فوق الصوتية.
  • الرنين المغناطيسي MRI.
  • التصوير المقطعي المحوسب CT Scan.

كيف يتم علاج الورم الأرومي الشبكي؟

يعتمد اختيار العلاج المناسب للورم الأرومي الشبكي على حجم الورم وموضعه ومدى انتشاره، بالإضافة إلى صحة الطفل العامة، ويكون الهدف الأساسي للعلاج السيطرة الكاملة على الورم ومحاولة الحفاظ على البصر قدر الإمكان.

من العلاجات المتبعة:

العلاج الكيميائي

يتم في هذا النوع من العلاج استخدام أدوية كيميائية لقتل الخلايا الورمية، حيث يساعد هذا النوع من العلاج على تقليص الورم الأرومي الشبكي، مما يسمح باستخدام علاجات أخرى للقضاء بشكل نهائي على الخلايا المتبقية كالعلاج بالتبريد أو الليزر، فتزيد بذلك من احتمالات عدم حاجة الطفل لاستئصال العين.

من الأدوية الكيميائية التي قد تستخدم في العلاج ما يلي:

  • كاربوپلاتين Carboplatin.
  • إتوبوسيد Etoposide.
  • فينكريستين Vincristine.
  • سيكلوفوسفاميد Cyclophosphamide مع فينكريستين Vincristine.

من أنواع العلاجات الكيميائية المستخدمة ما يلي:

علاج كيميائي يُعطى وريديًا

ينتقل الدواء نتيجةً لذلك إلى مختلف أنحاء الجسم.

علاج كيميائي يُحقن بالقرب من الورم

يعرف هذا النوع بالعلاج الكيميائي بالحقن الشرياني وهو نوع متخصص من العلاج الكيميائي يتم فيه توصيل الدواء إلى الورم مباشرةً عبر قسطرة توضع في أحد الشرايين التي تعمل على تروية العين، كما قد يتم وضع بالون صغير جدًا في الشريان لإبقاء الدواء بالقرب من الورم.

علاج كيميائي يُحقن داخل العين

يتم فيه حقن الدواء الكيميائي مباشرةً داخل العين، إذ يتم حقنه داخل الجسم الزجاجي لمعالجة الورم المنتشر في العين.

العلاج الشعاعي

يستخدم في هذا النوع من العلاج طاقة مرتفعة مثل الأشعة السينية والبروتونات للقضاء على الخلايا الورمية.

ومن أنواع العلاجات الإشعاعية المستخدمة ما يلي:

الإشعاع الموضعي

عادةً ما يستخدم في علاج الأورام التي لا تستجيب للعلاج الكيميائي، حيث يتم تثبيت قرص صغير جدًا يحتوي على حبيبات من مادة مشعة في موضع الورم ويترك لبضعة أيام ليصدر ببطء إشعاعًا تجاه الورم.

إن وضع الإشعاع بالقرب من الورم يساعد في تخفيض فرصة إصابة وتأذي الأنسجة السليمة خارج العين.

الحزم الإشعاعية الخارجية 

يتم إصدار حزم أشعة عالية الطاقة من جهاز إشعاع خارجي باتجاه الورم، حيث يستلقي الطفل بينما يتحرك جهاز الإشعاع حوله مصدرًا الأشعة العلاجية.

إلا أن هذا النوع من العلاج قد يترتب عليه بعض الآثار الجانبية وذلك بسبب وصول الأشعة إلى بعض الأماكن الحساسة حول العين مثل الدماغ، لهذا عادةً ما يستخدم هذا النوع من العلاج على الأطفال المصابين بدرجة متقدمة من الأورام الأرومية الشبكية.

العلاج بالليزر

يستخدم في هذا النوع من العلاج شعاع ليزر حراري عبر الحدقة لتدمير الخلايا الورمية.

 العلاج بالتبريد

يتم استخدام التبريد الشديد لقتل الخلايا الورمية، حيث تُوضع مادة شديدة البرودة مثل النتروجين السائل داخل أو قرب الورم وتترك المادة المبردة حتى تتجمد الخلايا ثم يتم إذابتها وإزالتها وتُكرر هذه العملية على مدار عدة جلسات مسببةً موت الخلايا الورمية.

العلاج الجراحي

يتم اللجوء إلى هذا النوع من العلاج عندما يكون الورم كبيرًا ولا يمكن علاجه بالطرق الأخرى، فحينها قد يلجأ الطبيب إلى أحد ما يلي:

  • جراحة استئصال العين المصابة استئصالًا تامًا.
  • جراحة زراعة العين والتي يتم فيها وضع كرة خاصة مصنوعة من مواد بلاستيكية أو مواد أخرى داخل تجويف العين أثناء عملية الاستئصال، كما يتم وصل العضلات المتحكمة بالعين بالكرة المغروسة، ومع الوقت تتأقلم العضلات معها وتتحرك مثلما تتحرك العين الطبيعية إلا أنها لا تسمح للطفل بالرؤية.
  •  تركيب عين صناعية وذلك يتم بعد عدة أسابيع من جراحة استئصال العين حيث يتم وضع عين اصطناعية حسب الطلب والتي تستقر خلف الجفون ويكون الطفل قادرًا على تحريكها.

ما هي الآثار الجانبية لعلاج الورم الأرومي الشبكي؟

قد يترتب على المعالجة الشعاعية بعض العواقب، مثل:

  • الساد (إعتام عدسة العين).
  • ضعف الرؤية.
  • جفاف مزمن في العين.
  • ضمور النسج حول العين.
  • عدم نمو عظام العين بشكل طبيعي. 

بينما تشمل الآثار الجانبية لجراحة استئصال العين حدوث العدوى أو النزف، كما سيؤثر استئصال العين على رؤية الطفل، فعلى الرغم من أن معظم الأطفال يتأقلمون مع فقدان العين بمرور الوقت، قد يحتاج الطفل ارتداء نظارة خاصة مقاومة للتشظي ونظارة رياضية في جميع الأوقات لحماية العين المتبقية.

هل من الممكن الوقاية من الورم الأرومي الشبكي؟

لا توجد طريقة مثبتة للوقاية من الورم الأرومي الشبكي، إلا أنه في حال وجود قصة إصابة عائلية فقد يوصي الطبيب بالقيام باختبار الجينات إذ يتيح للعائلات معرفة مدى فرصة إصابة أطفالهم بالمرض ومن ثم التخطيط للرعاية الطبية وفقًا لذلك، إذ يتم معاينة الطفل كل فترة باعتبار التشخيص المبكر يزيد من فرصة الشفاء.

المراجع

د. ريم الشطة
د. ريم الشطة

ريم الشطة، طالبة في كلية الطب البشري جامعة دمشق ومتطوعة في قسم السوشيال ميديا لفريق الكريات الحمراء ومهتمة بكل ما هو جديد وله علاقة بالطب.

المقالات: 46

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =