القناة الشريانية لدى طفلك قد تؤهب لحدوث احتشاء القلب!

تتصل حجرات القلب السفلية (البطينات) مع الشرايين الرئيسة في الجسم؛ وهي الشرايين الرئوية والشريان الأبهر.

يضخ الشريان الرئوي الدم الفقير بالأكسجين (غير المؤكسج) إلى الرئتين لتتم أكسجته، أمّا الشريان الأبهر فإنه يضخ الدم الغني بالأكسجين (المؤكسج) لأعضاء الجسم كي تستفيد منه ومن الأكسجين المحمّل به.

ولكن قد توجد بعض الشذوذات الخلقية التي يتواجد فيها ممر صغير بين الشرايين الرئوية والشريان الأبهر، ما يؤدي إلى اختلاط الدم المؤكسج مع الدم غير المؤكسج، وتدعى هذه الحالة “القناة الشريانية Patent Ductus Arteriosus (PDA)”، فلنتعرف على هذه الحالة ومدى خطورتها.

ما هي القناة الشريانية؟

قبل ولادة الطفل، لا يحتاج دم الجنين للذهاب إلى الرئتين للحصول على الأكسجين؛ لأنه يحصل عليه من دم الأم عبر المشيمة، فالقناة الشريانية هي ثقب موجود لدى الأجنة يسمح للدم بتخطّي الدورة الدموية إلى الرئتين.

ولكن عند ولادة الطفل يجب أن يتلقّى الدم الأكسجين في الرئتين، لذا يُفترض أن يغلق هذا الثقب، وإذا كانت القناة الشريانية لا تزال مفتوحة قد يتخطى الدم هذه الخطوة الضرورية من الدورة الدموية، ويسمّى هذا الثقب بـ “القناة الشريانية” أو “القناة الشريانية السالكة”.

تحدث القناة الشريانية بشكل أكبر عند الأطفال الذين ولدوا قبل أوانهم (الخدج).

في بعض الحالات تغلق القناة الشريانية بعد الولادة دون أي تدخّل طبي، وبشكل عام إذا كانت الفتحة صغيرة جدًا فلا تسبب أي مشكلة لدى الطفل، ولكن إذا كانت الفتحة كبيرة وتُركت دون علاج فإن ذلك سيؤدي إلى جريان الدم غير المؤكسج في اتجاه غير طبيعي.

في حال مرور الدم غير المؤكسج في غير طريقه الطبيعي فإن ذلك سيجبر الأطفال على التنفّس بشكل أقوى وأسرع، وستعاني أجسامهم من الدم الزائد الموجود في الرئتين، وإذا تُرك المرض دون علاج فإنه قد يؤدي إلى ارتفاع الضغط الرئوي أو ضعف القلب أو الفشل القلبي.

هل القناة الشريانية حالة شائعة؟

القناة الشريانية هي أكثر أمراض القلب شيوعًا لدى الأطفال حديثي الولادة، ويشخّص الأطباء هذه الحالة في كثير من الأحيان عند الأطفال الخدج، ويزداد الخطر كلما كانت ولادة الطفل أبكر، كما أنها تصيب الإناث أكثر من الذكور.

تحدث القناة الشريانية لدى حوالي:

  • 10% من الأطفال المولودين بعد 30-37 أسبوع من الحمل.
  • 80% من الأطفال المولودين بعد 24-28 أسبوع من الحمل.
  • 90% من الأطفال المولودين قبل مرور 24 أسبوع من الحمل.

ما هي أسباب القناة الشريانية؟

تنشأ القناة الشريانية من مشكلة مبكّرة في تطوّر القلب، وقد تلعب العوامل الوراثية دورًا فيها، ولكن غالبًا لا يوجد سبب واضح وراء حدوثها.

تتواجد القناة الشريانية طبيعيًا لدى كل الأجنة قبل الولادة، بل يعتبر وجودها ضروري، إذ تعين الرئتين على نموهما، ولكن بعد الولادة يجب أن تغلق هذه الفتحة في غضون يومين أو ثلاثة أيام، بينما غالبًا ما تستغرق أكثر من ذلك عند الأطفال الخدج.

ما هي العوامل التي تزيد من خطر الإصابة؟

الولادة المبكّرة

القناة الشريانية أكثر انتشارًا عند الأطفال الذين ولدوا قبل موعدهم الطبيعي.

التاريخ العائلي والحالات الوراثية الأخرى

إن وجود إصابة سابقة في عائلة الطفل بعيوب القلب أو أمراض وراثية أخرى (كمتلازمة داون) تزيد من خطر الإصابة بالقناة الشريانية.

إصابة الأم بالحصبة الألمانية خلال الحمل

إن إصابة الأم بعدوى الحصبة الألمانية أثناء الحمل يزيد من خطر إصابة الطفل بعيوب القلب الخلقية.

إذ يستطيع فيروس الحصبة الألمانية عبور المشيمة، وينتشر عبر الدورة الدموية للطفل، مما يؤدي إلى إتلاف الأوعية الدموية وأعضاء الجسم (بما في ذلك القلب).

الولادة في المناطق المرتفعة

إن ولادة الطفل على علوٍ شاهق يزيد خطر إصابته، حيث لوحظ انتشار الإصابة بين الأطفال الذين وُلدوا فوق 8200 قدم (2499 متر) بشكل أكبر من الأطفال الذين وُلدوا على ارتفاعات منخفضة.

متلازمة الضائقة التنفسية الوليدية

وتحدث عند الأطفال الذين لم تحصل رئتيهم على كمية كافية من مادة التزليق، وهي مادة تدعى السورفكتانت أو العامل الفعّال بالسطح، والتي تقوم بتزليق الرئتين لتسهيل حركتها.

الإناث

إن خطر الإصابة لدى الأطفال الإناث أكبر من الأطفال الذكور.

عوامل متعلقة بعادات الأم

إذا كانت الأم مدخنة أو تشرب الكحول أو تتعاطى المخدرات خلال الحمل؛ فإن ذلك حتمًا سيؤثر على طفلها ويزيد فرص إصابته بأمراض القلب.

ما هي أعراض الإصابة؟

تختلف أعراض القناة الشريانية باختلاف حجم الثقب وما إذا كان الطفل مكتمل النمو أو وُلِد قبل أوانه.

قد لا تتسبب القناة الشريانية الصغيرة في ظهور أي أعراض أو علامات، ولا يتم اكتشافها إلا لوقت البلوغ، أما القناة الشريانية الكبيرة فتظهر فيها علامات قصور القلب بعد فترة وجيزة.

قد يشتبه الطبيب بوجود عيب في القلب أثناء فحص الطفل بالسماعة الطبية؛ وذلك بعد سماع نفخة قلبية أثناء الاستماع لأصوات القلب.

كما قد يسبب وجود قناة شريانية كبير أثناء الرضاعة أو الطفولة ما يلي:

  • سوء التغذية، مما يؤدي إلى ضعف النمو وعدم زيادة الوزن.
  • التعرّق مع البكاء أو الأكل.
  • التنفس السريع المستمر أو ضيق التنفس.
  • التعب السريع.
  • تسرّع القلب.

ما هي مضاعفات الإصابة؟

قد لا تسبب القناة الشريانية أي مضاعفات، ولكن يمكن أن تتسبب العيوب الكبيرة غير المُعالجة المضاعفات التالية:

ارتفاع ضغط الدم في الرئتين

يمكن أن يؤدي تدفق الكثير من الدم عبر الشرايين الرئيسية للقلب إلى ارتفاع ضغط الدم الرئوي مما قد يسبب تلفًا دائمًا في الرئتين.

كما يمكن أن تؤدي القناة الشريانية السالكة الكبيرة إلى متلازمة أيزنمينجر، وهي نوع لا عودة فيه من ارتفاع ضغط الدم الرئوي.

الفشل القلبي

يمكن أن تتسبب القناة الشريانية في تضخّم القلب وضعفه، مما يؤدي إلى فشل القلب، وهي حالة مزمنة لا يستطيع فيها القلب ضخ الدم بشكل فعّال.

العدوى القلبية (التهاب الشغاف)

يكون الأشخاص الذين يعانون من مشكلة هيكلية في القلب (كالقناة الشريانية) أكثر عرضةً للإصابة بالتهاب في البطانة الداخلية للقلب (التهاب الشغاف) من الأشخاص الذين يتمتعون بقلب سليم.

الوذمة الرئوية

وهي عبارة عن تراكم السوائل داخل الرئتين.

متى يتوجب أخذ الطفل إلى الطبيب؟

اتصل بطبيبك أو رافق طفلك إلى العيادة إذا:

  • كان طفلك يتعب بسرعة عند الأكل أو اللعب.
  • كان وزن طفلك لا يزداد أبدًا.
  • كان طفلك يلقط أنفاسه بصعوبة أثناء الأكل أو البكاء.
  • طفلك دائمًا يتنفس بسرعة أو لديه قصور في التنفس.

كيف يتم التشخيص؟

قد يشك الطبيب بإصابتك أنت أو طفلك بالقناة الشريانية بناءً على الاستماع لضربات القلب، حيث يمكن أن تسبب القناة الشريانية نفخة قلبية يمكن سماعها من خلال السماعة الطبية.

إذا اشتبه الطبيب في وجود عيب في القلب فقد يطلب واحدًا أو أكثر من الاختبارات التالية:

مخطط صدى القلب (الإيكو)

تنتج الأمواج الصوتية صورًا للقلب يمكن أن تساعد الطبيب في ملاحظة القناة الشريانية، ومعرفة فيما إذا كانت حجرات القلب متضخمة، والحكم على مدى جودة ضخ القلب للدم.

كما يساعد هذا الاختبار أيضًا على تقييم صمامات القلب واكتشاف عيوب القلب المحتملة الأخرى.

الأشعة السينية للصدر

تساعد صورة الأشعة السينية على رؤية حالة القلب والرئتين، وقد تكشف الأشعة السينية أيضًا عن حالات أخرى إلى جانب عيوب القلب.

تخطيط القلب الكهربائي

يقوم هذا الاختبار بتسجيل النشاط الكهربائي للقلب، مما يساعد الطبيب في تشخيص عيوب القلب أو مشاكل النُظُم.

قسطرة القلب

لا يكون هذا الاختبار ضروريًا عادةً لتشخيص القناة الشريانية، ولكن يمكن إجراؤه لفحص عيوب القلب الخلفية الأخرى التي تم اكتشفها أثناء مخطط صدى القلب.

كما يمكن الاستفادة منه إذا تم التفكير في إجراء القسطرة كعلاج للقناة الشريانية وليس فقط كوسيلة تشخيصية.

ما هو علاج حالة القناة الشريانية؟

تعتمد علاجات القناة الشريانية على عمر الشخص المعالَج.

من الأفضل الانتظار قليلًا مع المراقبة قبل إجراء أي علاج، لأنه غالبًا تنغلق القناة الشريانية من تلقاء نفسها، وإذا لم تُغلق وكانت الفتحة صغيرة لا تسبب مشاكل صحية فقد تكون المراقبة هي كل المطلوب.

تشمل أساليب العلاج:

الأدوية

يمكن استخدام مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية مثل الإيبوبروفين (أدفيل أو موترين للرضع) المتاح بدون وصفة طبية للمساعدة في إغلاق الفتحة الشريانية.

تعمل مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية على منع المواد الكيميائية الشبيهة بالهرمونات من البقاء في الجسم، حيث تقوم هذه المواد بإبقاء الثقب مفتوحًا.

لا تغلق مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية الثقب بشكل كامل، ولكنها تساعد في العملية جزئيًا.

الإغلاق الجراحي

إذا لم تكن الأدوية فعالة وكانت حالة الطفل شديدة أو كان تحت خطر حدوث المضاعفات، فقد يوصي الأطباء بإجراء الجراحة.

يقوم الجراح بإجراء قطع صغير بين ضلوع طفلك للوصول إلى القلب وإصلاح القناة المفتوحة باستخدام الغرز أو المشابك.

بعد الجراحة، سيبقى طفلك في المستشفى لعدة أيام للمراقبة.

عادةً ما يستغرق الأمر بضعة أسابيع حتى يتعافى الطفل تمامًا من جراحة القلب.

في بعض الأحيان، قد يُوصى أيضًا بالإغلاق الجراحي للبالغين الذين يعانون من القناة الشريانية السالكة عندما تسبب مشاكل صحية.

تشمل المخاطر الجانبية المحتملة للجراحة بحة في الصوت، نزيف، عدوى وشلل الحجاب الحاجز.

القسطرة

في هذا الإجراء يتم إدخال أنبوب رفيع في أحد الأوعية الدموية في الفخذ وتوجيهه إلى القلب، ويتم من خلال القسطرة إدخال سدادة لإغلاق القناة الشريانية.

إذا تم الإجراء في عيادة خارجية فمن المحتمل ألا تحتاج أنت أو طفلك للبقاء في المستشفى.

لا يُنصح بإجراء القسطرة عند الأطفال الخدج، فإذا لم يكن طفلك يعاني من مشاكل صحية متعلقة بالقناة السالكة يوصي الطبيب بالانتظار حتى يكبر الطفل لإجراء القسطرة.

في حال عدم وجود عيوب قلبية خلقية أخرى؛ يعود الدوران الدموي لوضعه الطبيعي مباشرةً بعد إجراء القسطرة.

تشمل المضاعفات الناتجة عن القسطرة النزيف أو العدوى أو تحرّك السدادة من موضعها في القلب. 

بعد إجراء القسطرة سيوصي الطبيب بأخذ المضادات الحيوية لمدة 6 شهور لتجنّب حدوث التهاب الشغاف، ويجب بعدها مراجعة طبيب القلبية.

المعالجة الوقائية

في السابق كان يتم وصف المضادات الحيوية للمصابين بالقناة الشريانية قبل الخضوع لأي إجراء سنّي أو قبل العمليات الجراحية لتجنّب التهاب الشغاف.

ولكن اليوم لم يعد يتم استخدام المعالجة الوقائية بالصادات، حيث توصف الصادات فقط بعد إجراء القسطرة لمدة 6 شهور كما ذكرنا سابقًا.

كيف أقوم بوقاية طفلي من القناة الشريانية؟

لا توجد طريقة مؤكدة لمنع إنجاب طفل مصاب بالقناة الشريانية، ومع ذلك من الممكن بذل كل جهد ممكن للحصول على حمل صحي، فيما يلي بعض الأمور الأساسية:

الرعاية ما قبل الولادة المبكرة وقبل الحمل

وتشمل الإقلاع عن التدخين، وتقليل التوتر، وتجنب استخدام وسائل منع الحمل.

كما من المهم مراجعة الطبيب لاستشارته عن الأدوية التي تأخذينها أثناء الحمل.

اتباع نظام غذائي صحي

من الممكن أخذ مكملات الفيتامينات التي تحتوي على حمض الفوليك.

ممارسة الرياضة

تعد ممارسة الرياضة بشكل منتظم مفيدة جدًا، وتحت إشراف الطبيب المختص لوضع خطة تمرين مناسبة للحامل.

تجنّب العادات الضارّة

كالكحول والسجائر والمخدرات، كما من الأفضل تجنّب أحواض الاستحمام الساخنة والساونا.

تجنّب الإصابة بالالتهابات

من الممكن أن تكون أنواع معيّنة من العدوى ضارة بالجنين (كالحصبة الألمانية).

تأكدي من أخذ كافة اللقاحات قبل الحمل.

السيطرة على مرض السكري

إذا كنتِ تعانين من مرض السكري، فاعملي مع طبيبك للسيطرة على الحالة قبل وأثناء الحمل.

التاريخ العائلي

يجب التحدث مع مستشار وراثي قبل الحمل إذا كان لديك تاريخ عائلي من عيوب القلب أو الاضطرابات الوراثية الأخرى.

ما هي النشاطات التي يمكن أن يمارسها الطفل المصاب بالقناة الشريانية؟

إذا كانت القناة الشريانية صغيرة أو تم إغلاقها بالقسطرة أو الجراحة، فقد لا يحتاج الطفل إلى أي قيود خاصّة، وسوف يتمكن من المشاركة في الأنشطة العادية دون زيادة المخاطر.

قد يحتاج المرضى الذين يعانون بشدة من أعراض قناة شريانية كبيرة أو متوسطة الحجم والمرضى الذين يعانون من ارتفاع الضغط الرئوي إلى تقييد نشاطهم الجسدي، ويتم مناقشة ذلك ووضع هذه القيود بالتعاون مع الطبيب المختص (طبيب القلبية).

ما هو مصير الأطفال المصابين بالقناة الشريانية؟

مع العلاج، يعيش معظم الأطفال الذين يولدون بقناة كالقناة الشريانية السالكة حياة صحية ونشيطة.

إذا لم يتم علاج الحالة مبكرًا وفي إطارها الزمني الصحيح فإن المريض يصبح أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات قلبية خطيرة.

المراجع:

د. محمد فؤاد شكري
د. محمد فؤاد شكري

محمد فؤاد شكري، طالب طب بشري، وكاتب محاضرات علمية في فريق الكريات الحمر التطوعي بجامعة دمشق. مهتم للغاية بنشر المعلومات الصحيحة والدقيقة بأبسط وأفضل طريقة ممكنة.

المقالات: 64

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة + 5 =