الاكتئاب المبتسم! عندما لا تكون الأشياء كما تبدو عليه أبدًا

الاكتئاب المبتسم  هو مصطلح يُستخدم لوصف أولئك الذين يخفون أعراض الاكتئاب لديهم خلف ابتسامة، غالبًا ما يحدث لدى الأشخاص الذين يخافون من إظهار اكتئابهم للناس لعدّة أسباب.

لا تختلف أعراض الاكتئاب المبتسم عن الاكتئاب، لكنّ المريض لا يُظهر معاناته إلا عندما يكون وحيدًا.

إذا اشتبه شخص في إصابته بالاكتئاب المبتسم، فأفضل ما يمكنه فعله هو التواصل مع الطبيب لإيجاد طرق العلاج المناسبة له.

ما هو الاكتئاب المبتسم؟

سنخبركم أولًا بأن الاكتئاب هو أكثر الاضطرابات المزاجيّة شيوعًا، وعلى الصعيد العالمي، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن هناك أكثر من 264 مليون شخص يعانون من الاكتئاب من جميع الأعمار.

يستخدم الأطباء مصطلح الاكتئاب المبتسم لوصف الشخص الذي يُخفي اكتئابه خلف ابتسامة! حيث يبدو الشخص المُصاب بالاكتئاب المبتسم سعيدًا من الخارج على الرغم أن الواقع مختلفٌ تمامًا، فالمريض يخبّئ اكتئابه في داخله فقط دون إظهاره.

قد تكون حياة المُصاب طبيعيةً تمامًا من الخارج، فهو يستمرّ بنشاطاته اليومية، ينعم بحياة مستقرّة، ومن الممكن أن تبدو لك حياته مثاليةً أو شبه مثالية.

لم يتمّ تصنيف الاكتئاب المُبتسم كنوع مستقل من أنواع الاضطرابات الاكتئابية، لكنّه يندرج تحت الاكتئاب اللانمطي والذي يُعتبر أحد أشكال الاكتئاب السريري (الاضطراب الاكتئابي الكبير)،

ما هي أعراض الاكتئاب المبتسم؟

إذا كنت تشعر أنك تعاني من اكتئابٍ مبتسم، فإن أسهل خطوة لمعرفة الإصابة هي أن تقارن ما تشعر به حقيقةً مقابل ما تُظهره  للعالم الخارجي.

عندما تكون وحيدًا بمفردك، هل تشعر بأعراض مستمرّة؟ لكنّك لا تعبر أبدًا عن أيّ منها للآخرين؟  هذا هو النمط النموذجي للاكتئاب المبتسم.

قد تشتمل أعراض الاكتئاب على:

  • نقص الطاقة أو التعب أو الإرهاق.
  • التهيج أو التغيرات في المزاج.
  • تغيّرات في الشهية أو تقلبات الوزن.
  • فقدان الاهتمام وعدم الاستمتاع بالأنشطة التي كنت تستمتع بها من قبل.
  • الشعور بانعدام القيمة أو بالذنب.
  • صعوبة في التفكير أو التركيز أو اتخاذ القرارات.
  • مواجهة مشاكل في النوم.
  • توارد أفكار الموت أو الانتحار.

وعلى الرغم من وجود هذه الأعراض داخليًا لدى المُصاب بالاكتئاب المُبتسم، إلا أنّه يبدو:

  • شخصًا نشيطًا وفعّالًا.
  • شخصًا لديه وظيفة مستقرة، مع أسرة صحّية وحياة اجتماعية.
  • شخصًا مبتهجًا ومتفائلًا وسعيدًا بشكل عام.

لماذا قد يُخفي شخص ما اكتئابه خلف ابتسامة؟

إخفاء الاكتئاب قد يكون أكثر أمانًا بالنسبة للمصاب، وهذا أمر مفهوم لكنه خاطئ. 

فمشاركة الحالة الصحية التي نشعر بها مع الأشخاص الذين نحبهم هو أكثر ما يساعد على التغيير.

هيك عدة أسباب لإخفاء الاكتئاب، إليك بعضها:

وصمة العار Stigma 

مع الأسف، يعتبر هذا السبب من أكثر الأسباب انتشارًا في مجتمعنا، وذلك لأننا تربينا سابقًا على أن الأمراض والاضطرابات النفسية كلّها سواء، وأن كلّ شخص مصاب بمرض نفسي يشكّل تهديدًا! وأنّه المسؤول عن حالته وغير مرغوب بتواجده، وكلّ هذا خاطئ تمامًا. 

فالأمراض النفسية باختلاف أشكالها وأسبابها، لا تشكّل تهديدًا على المحيط بقدر ما تشكّل تهديدًا على المُصاب بها إذا لم تتم رعايته وتقديم الدعم والأمان له بالشكل المناسب.

وبسبب كلّ ما سبق، وبشكل مؤسف، أصبح من الصعب على مريض الاكتئاب الانفتاح والتحدث بأريحية حول ما يشعر به.

لحسن الحظ، بدأت التصورات العامة تتغيّر تدريجيًا، وبدأت المفاهيم المغلوطة حول الأمراض النفسية تتصحح شيئًا فشيئًا.

من المهم معرفة أن الحصول على الدعم لمشاكل الصحة العقلية ليس علامةً على الضعف! بل هو في الواقع علامةً على القوة.

لذلك، تعرّف على مشاعرك أكثر عند مشاركتها مع أصدقائك وعائلتك، ليس عليك أن تخبرهم بكلّ شيء دفعةً واحدة، بإمكانك إخبارهم بالتدريج.

تحلّى بالإيمان بأنهم سيفهمونك (أو على الأقل سيحاولون ذلك)، وأخبرهم أنّ دعمهم لك في العثور على أساليب العلاج المناسبة قد يعني لك الكثير.

العلاج الذاتي 

يخفي الكثير من الناس اكتئابهم لأنهم يعتقدون أن بإمكانهم “علاجه” بأنفسهم.

والمشكلة الأكبر! أن بعض المُصابين قد يقومون بتناول أدوية دون وصفة الطبيب لتساعدهم في إدارة أعراض الاكتئاب.

الخوف من تشكيل عبء على الآخرين

يميل الشخص المكتئب للشعور بالذنب كثيرًا، وبالتالي، قد لا يرغب في إرهاق أي شخص آخر لدى إخباره بمعاناته.

قد يكون لا يعرف أصلًا كيف يطلب المساعدة، لذا يحتفظ بكفاحه ضد الاكتئاب بنفسه وحده.

الأعراف الثقافية

قد تزيد التوقّعات الاجتماعية في مجتمعاتنا صعوبة مشاركة ما تشعر به مع الآخرين.

إذا كنت رجلاً، قد تشعر بضغطٍ مجتمعيّ لأنك “الرجل”، ويمكن أن يمنعك هذا الضغط من الرغبة بالبكاء مثلًا.

وفي مجتمعاتنا أيضًا، قد يظن الأهل أن حزن ابنهم او ابنتهم هو “لجذب الانتباه” مثلًا.

كل ذلك قد يمنع الشخص من مشاركة حقيقة ما يمرّ به مع محيطه.

وسائل التواصل الاجتماعي

ففي عصر يستخدم فيه الجميع وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن ننغمس في واقعٍ بديلٍ حيث تسير حياة الجميع بشكل جيد دون أن نسأل أنفسنا، هل هم حقًا يعيشون بشكل جيد خلف الأضواء؟

قد يكون العديد من الأشخاص غير مستعدين أو غير قادرين على نشر الصور عندما يكونون في أسوأ حالاتهم، وبدلًا من ذلك يختارون مشاركة لحظاتهم الجيدة فقط مع العالم.

يخلق هذا بدوره فجوةً كبيرةً بين الواقع والعالم الافتراضي، وللأسف، يمنح ذلك الاكتئاب المبتسم مساحةً أكبر للنمو.

كيف يتمّ تشخيص الاكتئاب المبتسم؟

كما ذكرنا، فإن الاكتئاب المبتسم يندرج تحت الاكتئاب اللانمطي، فهو ليس نموذجيًا بأعراضه وهذا ما يضع الأطباء في موقف صعب عند التشخيص.

ما يجعل التشخيص أصعب أيضًا هو أن معظم المصابين بالاكتئاب المُبتسم يشعرون بوصمة عار تجاه مرضهم، لذلك قد لا يلجأون للطبيب أصلًا.

ولتلقي التشخيص، غالبًا ما يبدأ الطبيب المختص بطرح أسئلة عليك لقياس شدة الأعراض، قد يسألك أيضًا عن أيّ أحداثٍ حديثةٍ يمكن أن تكون مسؤولةً عن حدوث الاكتئاب.

كيف يتمّ علاج الاكتئاب المبتسم؟

على غِرار أيّ اضطراب اكتئابي آخر؛ يُعالج الأطباء الاكتئاب المبتسم اعتمادًا على شدة الأعراض.

يتضمّن العلاج غالبًا مزيجًا من عدّة خيارات علاجية، فيشمل:

العلاج الدوائي

هناك عدّة فئات من أدوية الاكتئاب المُتاحة بوصفة طبية، قد يستغرق الأمر بضعة أسابيع قبل أن يبدأ الدواء مفعوله.  

يجب متابعة الشخص المُصاب من قِبل الطبيب لقياس تغيّرات وتحسّن الحالة.

المعالجة النفسية

تُعرف أيضًا باسم “العلاج بالكلام”، وهو أسلوب علاجي يُستخدم لمساعدة الشخص على فهم أفكاره ومشاعره من أجل تعلم مهارات التأقلم الصحية.

تشمل المعالجة النفسية كلّ من الاستشارات الفردية والعائلية، والعلاج السلوكي المعرفي (CBT).

إدارة ضغوط الحياة

قد يساهم التعرض للضغط المزمن أو عدم القدرة على إدارة ضغوط الحياة في تطوّر الاكتئاب.

يمكن أن يساعد تعلّم وممارسة تقنيات “إدارة الضغوط” الشخص على إدارة أعراض الاكتئاب.

التغذية

قد يُساعد تناول مجموعة متنوعة من الأطعمة المغذية كالفواكه والخضراوات الملوّنة والدهون الصحية، في تقليل بعض أعراض الاكتئاب.

الاعتناء بالنفس (الرعاية الذاتية)

إضافةً لما سبق، يُمكن لأدوات الرعاية الذاتية أن تُحدث فرقًا كبيرًا في علاج الاكتئاب، وسنذكر بعض طرق الاعتناء بالذات:

  • القيام بأنشطة بدنية يوميًا (سواء المشي أو الرياضة).
  • اتباع نظام صحي متوازن.
  • ممارسة الهوايات.
  • أخذ استراحات عقلية.
  • النوم من 7 إلى 9 ساعات.
  • التأمل.

يمكنك دمج كلّ هذه الأشياء في حياتك اليومية لمساعدتك على إدارة أعراض الاكتئاب، في بعض الأحيان، حتى الخطوات التي تبدو “صغيرة” يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في ما تشعر به حيال نفسك.

أسئلة شائعة حول الاكتئاب المبتسم

سنجيبكم على أكثر الأسئلة التي قد تتراود لأذهانكم حول هذه الحالة المرضية:

كيف أعرف أنني مصاب بالاكتئاب المبتسم؟

يعدّ الاكتئاب المبتسم الشكل “عالي الأداء” من الاضطراب الاكتئابي.

تكون أكثر عرضة لأن تكون مصابًا به إذا كنت تميل إلى الكمال أو الطموح، وإذا كانت مواكبة المظاهر أمر مهم بالنسبة لك، وعندما تكون جيدًا جدًا في التزييف. فقد تكون تبالغ في الضحك وتحافظ على إنتاجيتك في العمل.

لكن في أعماقك داخليًا، قد تشعر بالفعل وكأنك محتال! في نفس الوقت الذي تبتسم به، تشعر بالحزن والإحباط وتشعر بالخجل أيضًا من شعورك بالإحباط.

كما قد تمنعك وصمة العار بدورها من الوثوق بالآخرين أو الحصول على مساعدة طبية.

كيف أقوم بمساعدة شخص مصاب بالاكتئاب المبتسم؟

إذا كنت تشك في إصابة شخص بهذه الحالة، فإليك ما يمكنك فعله:

  • أظهر له حبّك الحقيقي ورعايتك ودعمك.
  • استمع إليه وحاول تقديم الاقتراحات التي يمكن أن تساعده.
  • حاول رفع معنوياته وثقتهم بنفسه.
  • قم بالاطمئنان عليه كثيرًا إما من خلال الاتصال أو الزيارات.
  • اطلب منه اتباع نظام غذائي صحي.
  • قم باصطحابه إلى الطبيب أو المُعالج للحصول على علاج أفضل.

المراجع

 

د. ماسه الفوال
د. ماسه الفوال

ماسه الفوال طالبة طب بشري في جامعة دمشق، أحب كتابة وصناعة المحتوى خصوصًا المتعلق بالأمراض النفسية والصحة النفسية والأمراض العصبية، أستطيع إضافة لمسة إبداعية لكل ما أراه.

المقالات: 39

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =