الإحصار القلبي – ما مدى خطورته ومتى يصبح تهديداً؟

يشكّل القلب أحد أهم الأعضاء في جسم الإنسان، فهو المحرّك الأساسي للجسم حيث يقوم بضخ الدم وتوزيع الأوكسجين والمواد الغذائية والهرمونات للخلايا. 

قد يصاب القلب ببعض الأمراض والّتي تؤدي إلى اختلالات في نبضاته وتؤثر بشكلٍ مباشرٍ على تروية أعضاء الجسم وبالتالي على وظائف هذه الأعضاء. 

كيف ينبض القلب؟ (لمحة عامة)

‎عندما ينبض القلب، تنقبض العضلة القلبية (تُسحب إلى الداخل) من أجل ضخ الدم إلى جميع أنحاء الجسم. 

تحدث الانقباضات بواسطة نبضات كهربائية يتم إنشاؤها عبر مجموعة من الخلايا المتخصصة المعروفة باسم العقدة الجيبية الأذينية (SA Node).

‎غالبًا ما يُشار إلى عقدة SA على أنّها جهاز تنظيم ضربات القلب الطبيعي لأنّها تشابه أجهزة تنظيم ضربات القلب الاصطناعية، حيث تولّد سلسلة من النبضات الكهربائية على فترات منتظمة، ‎ثم يتمّ إرسال النبضة إلى مجموعة أخرى من الخلايا المعروفة باسم العقدة الأذينية البطينية (AV Node).

تقوم العقدة الأذينية البطينية بتوصيل النبض إلى حجرتي القلب السفليتين (البطينين) عبر حزمة هيس وألياف بوركنج.

‎ما هو الإحصار القلبي؟

تتحكّم الإشارات الكهربائية في ضربات القلب، فهي المسؤولة عن انقباضه عبر عملية تعرف باسم التّوصيل.

يتم إنشاء التوقيت الطبيعي لنبضات القلب في الحجرة العلوية للقلب (الأذينة) تحديدًا في العقدة الجيبية الأذينية Sinoatrial Node، وفي حالة إحصار القلب، يكون هناك تداخل مع الإشارات الكهربائية التي تنتقل عادةً من الأذينتين إلى البطينين؛ أي انقطاع انتقال النبضة بين العقدة الأذينية البطينية والبطينين، ويُعرف هذا باسم اضطراب التوصيل، فإذا لم تتمكن الإشارات الكهربائية من الانتقال من الأذينتين إلى البطينين، لن يستطيع البطينين التقلّص وضخ الدم بالشكل الصحيح.

لا يعني إحصار القلب توقف القلب عن الخفقان تمامًا، لأنَّ أنظمة “الدعم” الأخرى يمكن أن تتولى زمام الأمور، ومع ذلك يمكن أن يؤدّي إلى بطء غير طبيعي في ضربات القلب (بطء القلب)، مما يؤدي إلى حرمان أعضاء وأنسجة الجسم من الأوكسجين.

ما هي أنواع الإحصار؟

قد يكون الإحصار القلبي من الدرجة الأولى أو الثانية أو الثالثة، وذلك اعتمادًا على مدى ضعف الإشارة الكهربائية القلبية.

الإحصار القلبي من الدرجة الأولى

أخف أنواع الإحصار، حيث لا تزال الدفعات الكهربائية تصل إلى البطينين، لكنّها تتحرك ببطء أكثر من المعتاد عبر العقدة الأذينية البطينية، أي أنّ النبضات تتأخر.

لا يسبب عادةً أي أعراض ويكتشفه المصابون أثناء قيامهم بفحوصات بحثًا عن حالة طبية ليست ذات صلة بالإحصار نفسه.

الإحصار القلبي من الدرجة الثانية

يحدث في حال تواجد سلسلة من التأخيرات المتزايدة في الوقت الذي تستغرقه العقدة الأذينية البطينية لإرسال النبض إلى البطين (فشل تعاقبي في توصيل الدفعات)، حتى يتم تخطي ضربات القلب في النهاية.

هناك نوعان فرعيان للدرجة الثانية من الإحصار القلبي:

إحصار قلبي من الدرجة الثانية من نوع (Wenckebach – Mobitz1)

هو النوع الأقل خطورة من إحصار القلب من الدرجة الثانية، قد يسبب أحيانًا دوخة خفيفة ولا يتطلب علاجًا في العادة.

إحصار قلبي من الدرجة الثانية من نوع (MobitzII – II)

هو النوع الأكثر خطورة ويتضمن أعراضًا مثل:

  • ألم صدري.
  • ضيق في التنفس.
  • الشعور بدوار شديد فجأة عند الوقوف من وضعية الاستلقاء أو الجلوس (يحدث هذا بسبب انخفاض ضغط الدم).
  • خفة الرأس والدوخة.
  • الإغماء.

عادةً ما يتطلب هذا النوع علاجًا.

الإحصار القلبي من الدرجة الثالثة

يتم حظر الإشارة الكهربائية من الأذينتين إلى البطينين تمامًا، وللتعويض عن ذلك، يبدأ البطين عادةً في النبض من تلقاء نفسه كجهاز تنظيم ضربات القلب البديل، لكن بنبضات تكون أبطأ وغالبًا غير منتظمة وغير موثوقة.

يؤثر إحصار الدرجة الثالثة بشكل خطير على قدرة القلب في ضخ الدم إلى أنحاء الجسم.

هناك نوعان فرعيان من إحصار الدرجة الثالثة:

  • خلقي: حيث تكون الحالة موجودة عند الولادة.
  • مكتسب: حيث تتطور الحالة نتيجةً لتلف القلب.

يمكن أن يتسبب إحصار القلب من الدرجة الثالثة في مجموعة واسعة من الأعراض بعضها مهدد للحياة، وعادةً ما يُنظر إلى هذا النوع من إحصار القلب على أنّه حالة طبية طارئة وقد يتطلب علاجًا فوريًا باستخدام جهاز تنظيم ضربات القلب (جهاز كهربائي اصطناعي يستخدم لتنظيم ضربات القلب).

ما هي أسباب الإصابة بالإحصار؟ 

يكون الإحصار أحيانًا خلقيًا، أي يولد الطفل مصابًا به إمّا بسبب حالة كانت تعاني منها الأم أثناء الحمل، أو بسبب مشاكل في القلب يولد الطفل بها. 

لكن بالنسبة لمعظم الأشخاص، يتطور الإحصار مع التقدّم في السن لأنّ الأسلاك التي تربط الجزء العلوي والسفلي من القلب يمكن أن تصاب بالتليّف وتفشل في النهاية، وأي عملية يمكن أن تلحق الضرر بأسلاك القلب هذه يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بالإحصار، ومن المسببات الشائعة:

  • مرض الشريان التاجي المصحوب أو غير المصحوب بنوبة قلبية، يعدّ أحد أكثر الأسباب شيوعًا للإصابة بالإحصار. 
  • اعتلالات عضلة القلب، وهي أمراض تضعف عضلة القلب، يمكن أن تؤدي أيضًا إلى تلف الأسلاك. 
  • الأمراض التي تتسلل إلى القلب مثل الساركويد وأنواع معينة من السرطانات.
  • الأمراض التي تؤدي إلى التهاب القلب مثل بعض أمراض المناعة الذاتية أو الالتهابات.
  • كما قد يؤدّي شذوذ الكهارل، وخاصة مستويات البوتاسيوم المرتفعة إلى فشل في الأسلاك.

من هم الأكثر عرضة للإصابة بالإحصار القلبي؟ 

عند التقدّم في السن أو الإصابة بأحد الحالات التالية ستزداد نسبة الإصابة بالإحصار، ومن هذه الحالات:

  • النوبة قلبية أو مرض الشريان التاجي.
  • المصابين باعتلال عضلة القلب.
  • الساركوئيد.
  • داء لايم.
  • مستويات عالية من البوتاسيوم.
  • فرط نشاط الغدة الدرقية الشديد.
  • أمراض عصبية عضلية وراثية معينة.
  • بعد جراحة القلب المفتوح.
  • تناول أدوية تبطئ توصيل النبضات الكهربائية للقلب بما في ذلك بعض أدوية القلب (حاصرات بيتا، وحاصرات قنوات الكالسيوم، والديجوكسين)، وأدوية ارتفاع ضغط الدم، ومضادات اضطراب النظم، أو تناول مرخيات العضلات والمهدئات ومضادات الاكتئاب ومضادات الذهان وأيضًا تناول مدرات البول والليثيوم. 

ما هي الأعراض التي يعاني منها المصابون بالإحصار؟ 

تختلف الأعراض حسب نوع الإحصار القلبي.

ففي الإحصار من الدرجة الأولى:

  • قد لا تظهر أي أعراض.
  • يمكن العثور عليه خلال مخطط كهربيّة القلب الروتيني (ECG) على الرغم من أنّ معدل ضربات القلب والإيقاع عادةً ما يكونان طبيعيين.

يُعد الإحصار من الدرجة الأولى شائعًا عند الرياضيين والمراهقين والشباب وأولئك الذين لديهم عصب مبهم شديد النشاط.

وفي الدرجة الثانية من الإحصار يعاني المصابون من الأعراض التالية: 

  • الإغماء والشعور بالدوار.
  • ألم في الصدر.
  • شعور بالتعب.
  • ضيق في التنفس.
  • خفقان القلب.
  • تنفس سريع.
  • غثيان.

و أما عن الإحصار القلبي في درجته الثالثة والذي قد يكون قاتلًا فإنّه يتسبب بما يلي:

  • الدوخة والإغماء.
  • ألم في صدر.
  •  شعور بالتعب.
  • ضيق في التنفس.
  • عدم انتظام ضربات القلب.

تكون أعراض إحصار القلب من الدرجة الثالثة أكثر حدّةً بسبب بطء معدل ضربات القلب، فإذا كانت لديك أعراض شديدة، فعليك الحصول على رعاية طبية على الفور.

كيف يتم التشخيص الطبي للإحصار؟ 

سيبدأ طبيب القلب أولًا بمراجعة تاريخك وتاريخ عائلتك الطبي، وسيطرح أسئلة حول صحتك العامة ونظامك الغذائي ومستوى نشاطك والأعراض التي تعاني منها، بالإضافة للسؤال عن الأدوية الّتي تتناولها (بوصفة طبية أو بدون وصفة طبية)، وما إذا كنت تدخن أو تستخدم العقاقير غير المشروعة.

ثم ينتقل الطبيب بعد ذلك إلى الفحص البدني حيث يستمع إلى قلبك، ويفحص معدل ضرباته، ويقوم بفحصك بحثًا عن علامات قصور القلب، مثل تراكم السوائل في القدمين والكاحلين والساقين.

قد يحيلك طبيب القلب الخاص بك إلى اختصاصي فيزيولوجيا كهربائية، وهم أطباء متخصصون في النشاط الكهربائي للقلب، حيث تشمل الاختبارات التي قد تخضع لها ما يلي:

  • مخطط كهربيّة القلب: يسجل مخطط كهربية القلب (ECG) النشاط الكهربائي لقلبك (معدل ضربات القلب وإيقاعها وتوقيت الإشارات الكهربائية أثناء تحركها عبر قلبك)، ويمكن أن يساعد هذا الاختبار في تحديد شدّة إحصار القلب (إذا كان موجودًا). 

قد تحتاج إلى ارتداء جهاز مراقبة متنقل، مثل جهاز هولتر أو مسجل الأحداث لمدة 24 إلى 48 ساعة أو أكثر لجمع المزيد من المعلومات حول نشاط قلبك الكهربائي.

  • مسجل حلقة قابل للزرع: المعروف أيضًا باسم جهاز مراقبة القلب القابل للإدخال، وهو جهاز نحيف للغاية يتم حقنه تحت جلد صدرك ويمكنه مراقبة إيقاع قلبك لمدة تصل إلى خمس سنوات. 

يتم زرعه في العيادة الخارجية في بضع دقائق فقط وهو مفيد للمرضى الذين يعانون من نوبات نادرة.

  • دراسة الفيزيولوجيا الكهربية: تتضمن دراسة الفيزيولوجيا الكهربية إدخال أنبوب طويل ورفيع يسمى القسطرة عبر وعاء دموي وتوجيهه إلى قلبك لقياس وتسجيل النشاط الكهربائي من داخل قلبك.

إذا كنت بحاجة إلى أحد هذه الاختبارات، فستحصل على معلومات أكثر تفصيلًا من قبل طبيبك.

ما هي مضاعفات الإحصار القلبي؟

يمكن أن تكون هذه المضاعفات مهدّدة للحياة وتشمل:

  • فشل القلب.
  • عدم انتظام الضربات القلبيّة.
  • نوبة قلبية.
  • سكتة قلبية مفاجئة.

كيف يتم علاج الإحصار القلبي؟ 

عادةً ما يحتاج الإحصار القلبي إلى العلاج فقط إذا كان يسبب أعراضًا.

يحدد طبيب القلب كيفية تأثير الإحصار (نوعه، وموقعه، وشدته) على قدرة القلب في أداء وظائفه، والنظر في الأعراض التي يعاني منها المريض لتحديد كيفية إدارة الحالة، حيث تختلف الأعراض والعلاجات من شخص لآخر.

في بعض الأحيان، يؤدّي إجراء تغييرات على الأدوية أو علاج أمراض القلب إلى معالجة الاحصار.

ويقسم العلاج حسب نوع الإحصار إلى:

  • إحصار من الدرجة الأولى: إذا كان لديك إحصار قلبي من الدرجة الأولى، فغالبًا لن تحتاج إلى علاج.
  • إحصار من الدرجة الثانية: إذا كان لديك الإحصار من الدرجة الثانية ولديك أعراض، فقد تحتاج إلى جهاز تنظيم ضربات القلب للحفاظ على نبض قلب سليم.
  • إحصار من الدرجة الثالثة: غالبًا ما يتم اكتشاف إحصار القلب من الدرجة الثالثة لأول مرة في حالة الطوارئ، يشمل العلاج دائمًا جهاز تنظيم ضربات القلب.

عادةً ما يعمل علاج الإحصار بشكل جيد، ويعيش معظم الناس حياة طبيعيةً نشطةً باستخدام جهاز تنظيم ضربات القلب.

ما هو جهاز تنظيم ضربات القلب؟

جهاز صغير يعمل بالبطارية، ويتم إدخاله تحت جلد الصدر، يرسل نبضات كهربائية متكررة إلى القلب للحفاظ على نبضات منتظمة.
إذا كنت بحاجة إلى جهاز تنظيم ضربات القلب، سيتحدث معك طبيب القلب أو أخصائي الفيزيولوجيا الكهربية عن التفاصيل، والنوع الأفضل لك، وماذا تتوقع قبل وأثناء وبعد الحصول على جهاز تنظيم ضربات القلب.

ما مدى شيوع الإحصار القلبي؟

يعتبر الإحصار من الدرجة الأولى و النوع الأول من الدرجة الثانية (Mobitz 1) غير شائعين ولكنهما ليس نادرين أيضًا.

 تشير التقديرات إلى أن 0.5-2٪ من البالغين الأصحاء يعانون من هذه الأنواع من الحصار.

النوع الثاني من حصار القلب من الدرجة الثانية (Mobitz 2) نادر الحدوث في عموم السكان، ولكنه أكثر شيوعًا عند الأشخاص المصابين بأمراض قلبية معينة، على سبيل المثال تشير التقديرات إلى أن 1 من كل 30 شخصًا مصابًا بفشل القلب سيصاب بحصار موبيتز من النوع 2.

وتُعدُّ إحصارات القلب الخلقية من الدرجة الثالثة نادرة الحدوث، وتحدث في حالة واحدة من بين كل 20.000 ولادة.

على العكس من ذلك، فإن إحصار القلب المكتسب من الدرجة الثالثة هو أحد المضاعفات الشائعة لأمراض القلب، خاصةً عند كبار السن.

تشير التقديرات إلى أنّ 5-10٪ من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 70 عامًا، ولديهم تاريخ من أمراض القلب، سوف يصابون بإحصار القلب مكتسب غير خلقي من الدرجة الثالثة.

توصيات طبية 

‎إنّ النظرة المستقبلية لجميع أنواع إحصارات القلب جيّدة جدًا طالما يتم تقديم العلاج المناسب عند الحاجة، فلا يجب التهاون في زيارة الطبيب عند الشعور بأي من أعراضه الشائعة، حيث ‎تستجيب أخطر أنواع إحصار القلب بشكل جيد جدًا للعلاج بجهاز تنظيم ضربات القلب، والوفيات التي تسببها هذه الحالات نادرة جدًا.

المصادر

Nhsinform| Heart block

NHS| Heart block

cleveland clinic| Heart block

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 1 =